الإطار النّظريّ

يتطلّب تطوير كتابات لاهوتيّة باللّغة العربيّة فهمًا للسّياق الذي يعيشه المرء نفسُه. إنّ الرؤى (العدسات) الثّمانية الآتية تسلّط الضوء على مجالات من شأنها تشكيل الفكر اللّاهوتيّ في هذا البقعة من العالم.

  1. محوريّة المسيح: تضع الكتابات المعاني التّاريخيّة والأدبيّة والبيبليّة (biblical)، أو أيّة معاني أخرى، في حوار مع المعنى الكريستولوجيّ سواء أكان بالتّشبيك (intertextuality) مع نصوص الكتاب المقدّس أو بأخذ التّفاسير الكريستولوجيّة الكنسيّة عبر التّاريخ بعين الاعتبار. تقدم الكتابات نافذة على التّرابط بين العلوم اللّاهوتيّة المختلفة والفكر الكريستولوجيّ، وتضع القضايا الأخلاقيّة والاجتماعيّة والدّينيّة (أديان أخرى) في حوار مع تعاليم المسيح وهويّته. تربط الكتابات التّحليل الاجتماعيّ والتّاريخيّ والسّياسيّ بهويّة المسيح في المجتمع والكنيسة والكتاب المقدّس. وقد تكون هويّة المسيح متوافقة أو متضاربة أو غير ذلك.

  2. محوريّة الكتاب المقدس: تقدّم الكتابات المنظور البيبليّ، وتتوافق معه. يشمل المنظور البيبليّ الأخذ بعين الاعتبار كلّ الكتاب المقدّس (66 سفرًا كما هو معروف في التّراث الانجيليّ)، وهذا الكتاب هو كلمة الله، وله بعدٌ إلهيّ وبعدٌ بشريّ أيضًا، أوحى به الله إلى الأنبياء الذين قدّموا الحكمة الإلهيّة في قوالب بشريّة متنوعة. ولا يفصل المنظور البيبليّ الواقع البشريّ عن الخطّة الإلهيّة، فالتّاريخ البشريّ والعلوم بشتّى أنواعها هي شأن إلهيّ. يقدّم المنظور البيبليّ كلّ البشارة ويقودنا من الخليقة السّاقطة إلى الخليقة الجديدة، ولا يعزل الدّهر الحالي عن الدّهر الآتي، بل يطلب ويعمل على أن يأتي ملكوت الله إلى العالم الآن وهنا.

  3. الكنيسة الجامعة: تضع الكتابات نصب أعينها كون الكنيسة في العالم العربيّ جزءًا من جسد المسيح الموجود في كلّ العالم. وعليه، يجب ألّا يتم حصر هذه الطّبيعة الجامعة (الكاثوليكيّة) للكنيسة، بل يجب أن ينبّر عليها. يمكن في هذا المجال الاستعانة بخبرات كنسيّة عالميّة مثل لاهوت التّحرير في فلسطين وجنوب إفريقيا وأمريكا اللّاتينيّة. تستجمع الكتابات (وبالأخصّ التّفسيريّة منها) محاولة فهم الفكر المسيحيّ في قراءة غير منحصرة بمقاربة ومنظور غربيّين. كما يجب ربط الكنيسة مع الثّقافة العربيّة وتعبيرات التّراث المشرقيّة، والاستعانة بالتّراث السّريانيّ والعربيّ المسيحيّ، إذ تعتبر هذه التّراثات حلقات وصل بين الكنيسة والعالم الإسلاميّ.

  4. البعد الإرساليّ: تحافظ الكتابات على طابع مرسليّ محوره ملكوت الله الذي يحتضن الكنيسة الجامعة، ويمكّنها من الانفتاح والتّفاعل مع الآخر المختلف عنها مذهبيًّا ودينيًّا وأيديولوجيًّا وثقافيًّا. وتسعى هذه الكتابات إلى خلق واقع جديد فيه تفاعل وحوار واهتمام وخدمة للآخر. وتمكّن هذه الكتابات كلّ الكنيسة، بتنوّع خلفيات مكوناتها العرقيّة، والثّقافيّة، والاجتماعيّة، والدّينيّة، أن تأخذ كلّ البشارة إلى كلّ العالم

  5. الاعتبارات الإسلاميّة: تولي الكتابات الاهتمام الواجب لـ"الاعتبارات الإسلاميّة". تُظهر الكتابات دراية كافية بالمفاهيم النّظيرة حول المواضيع التّي تتناولها، سواء من مصادر الإسلام الكلاسيكيّة أو المعاصرة. لن تتبنى هذه الكتابات موقفًا دفاعيًّا أو جدليًّا مباشرًا، بل تُمثّل الأسئلة التّي يطرحها المسلمون حول الموضوع، سواء في الماضي أو في الحاضر، جزءًا مهمًا من السّياق التّفسيريّ الذي يشكّل الإطار والمخطّط لمعالجة موضوع الكتابة. تُظهِر الكتابات فهمًا متعمقًا للإسلام، مع مراعاة الفروق التي قد توجد بين وجهات النّظر الكلاسيكيّة (القائمة على النّصّ) والمفاهيم الشّعبيّة الشّائعة للقضايا المطروحة، وبين المفاهيم التّاريخية والمعاصرة، والمتنوعة جغرافيًّا، فضلًا عن الاختلافات المحتملة بين المسلمين المنتمين إلى الفرق المختلفة.

  6. العمق التّاريخيّ: تتّصف الكتابات بعمق تاريخيّ ووعي بتنوّع الفكر الكنسيّ لا سيّما في الفكر اللّاهوتيّ، والكتب القانونية (Canonical) واللّيتورجيّة، والهيكليّة الكنسيّة. ويجب أن تثري الكتابات إدراكنا لمساهمات ومقاربات عائلات الإيمان في مجالات العلوم البيبليّة واللّاهوتيّة والتّاريخيّة والأدبيّة. وهي تكنُّ احترامًا وتقديرُا لنماذج مختلفة في مقاربة الآخر، لا سيّما في العمل الإرساليّ والعيش المشترك والحوار الدّينيّ. ولا تتجاهل هذه الكتابات تاريخ العلاقة بين كنائس الشّرق والعمل الإرساليّ الغربي وتأثيره الآنيّ، وتعي ديناميكيات التّعريب والأسلمة والتّغريب.

  7. الاعتبارات السّياسيّة: تعي الكتابات المناخ السّياسيّ وتعكس فهمًا دقيقًا للديناميكيّات القائمة بين العوالم السّياسيّة والدّينيّة. ومن شأن هذا الوعي أن يبرز كلتا الخلفيّة اللّاهوتيّة والدّينيّة للقضايا المعاصرة، والسّبل التي يُشكّل فيها الواقع السّياسيّ بعض المفاهيم والممارسات الدّينيّة واللّاهوتيّة. لا تتحزّب الكتابات ولا تخدم برنامجًا سياسيًّا معينًا. ولكنّها تتّخذ العدل الاجتماعيّ مدخلًا إلى التّحليل السّياسيّ للأوضاع الرّاهنة، مما ينشئ موقفًا نقديًّا على مختلف جوانب الطّيف السّياسيّ.

  8. التّحديّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة: تخاطب الكتابات التّحديّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي يعيشها العالم العربيّ. وتنطلق هذه الكتابات من تحديّات تشمل قضايا الفقر والبطالة التي تعاني منها الغالبيّة وما يعرف بـ"إنجيل الرّخاء." كذلك، يجب على هذه الكتابات ألّا تكون منفصلةً عن قضايا الأسرة والمرأة والشّباب والميراث والتّطرّف والابتعاد عن الدّين (الإلحاد) والشّرف (ومنها ما يُعرَف بـ"جرائم الشّرف")، وبقية التّحديّات كالتّهجير والإرهاب التي تواجه العالم العربيّ.
للحصول على نسخة للطباعة، راجع مشروع الإيمان الإنجيليّ في الحضارة العربيّة .